🆕 جديد الموقع

📰 تاريخ نشأة التصوف

📁 القسم: التعريف بعلم التصوف
✍️ الكاتب: مخلف العلي القادري
📅 التاريخ: 2025-08-10
👁️ عدد المشاهدات: 3131

تاريخ نشأة التصوف

اعلم أخي السالك وفقني الله تعالى وإياك: أن التصوف في حقيقته، ووفق ما بيناه في التعريف إنما يرجع في أصله ومنشأه إلى عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وكل قواعده وأسسه مستمدة من الشريعة المطهرة، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في موضعه.

واعلم أن الذي جاءنا من التشريع في الكتاب والسنة، وما نزل في الكتب السماوية من قبلنا، وكل ما بعث الله به رسله وأنبياءه مبلغين عنه عز وجل، إنما هو على ثلاثة أقسام وهي:   

أولاً: قسم يتعلق بأعمال المكلف: ويشتمل هذا القسم على الأحكام الخاصة بعلاقة المكلف مع نفسه وغيره وربه، والنصوص التي جاءت في هذا الخصوص كثيرة جداً، وتشمل كل آية وحديث يتكلم في موضوع الحلال والحرام والمستحب والمكروه والمندوب والمباح، كما يشمل جميع العبادات والمعاملات والحدود والجنايات والأحوال الشخصية والبيوع والزراعة وأركان الإسلام، والحكم والقضاء وغيره، ويسمى هذا القسم بعلم الفقه والأصول.

ثانياً: قسم يتعلق بالعقيدة والتوحيد: ويشتمل هذا القسم على ما يتوجب على الإنسان الاعتقاد والإيمان به، من إلهيات وسمعيات وغيبيات، والنصوص التي جاءت في هذا الخصوص كثيرة جداً، وتشمل كل آية وحديث يتكلم في موضوع الإيمان وأركانه، وصفات الألوهية والربوبية، والموت وما بعده، والروح وما يتعلق بها، ويسمى هذا القسم بعلم العقيدة وعلم التوحيد وعلم الكلام.

ثالثاً: قسم يتعلق بنفس المكلف: ويشتمل هذا القسم على الجانب الخلقي والأدبي من حياة الإنسان في علاقته مع الآخرين، ويشمل كل ما يتعلق بنفسه من حيث وجوب تزكيتها من كل الصفات الذميمة السيئة، وتحليتها بالصفات الحميدة. والنصوص التي جاءت في هذا الخصوص كثيرة جداً، وتشمل كل آية وحديث يتكلم عن الجانب الأخلاقي والآداب الإسلامية، وقد بين النبي صلى الله عليه وآله هذا القسم بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» ([1]).

وهذه الأقسام الثلاثة كلها تتجلى في حديث جبريل عليه السلام من رواية مسلم عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ، وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، قَالَ: «‌أَنْ ‌تَعْبُدَ ‌اللهَ ‌كَأَنَّكَ ‌تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا، قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ»، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»

فالإسلام يمثل القسم الأول وهو الشريعة. والإيمان يمثل القسم الثاني وهو الطريقة. والإحسان يمثل القسم الثالث وهو الحقيقة.

يقول الحافظ الإمام الشيخ محمد صديق الغماري: «فلتعلم أن الطريقة أسسها الوحي السماوي، في جملة ما أسس من الدين المحمدي، إذ هي بلا شك مقام الإحسان الذي هو أحد أركان الدين الثلاثة، التي جعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ما بينها واحداً واحداً ديناً فقال: «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ». فغاية ما تدعو إليه الطريقة وتشير إليه هو مقام الإحسان، بعد تصحيح الإسلام والإيمان، ليحرز الداخل فيها والمدعو إليها مقامات الدين الثلاثة، الضامنة أيضاً لمحرزها والقائم بها السعادة الأبدية في الدنيا والآخرة، والضامنة أيضاً لمحرزها كمال الدين، فإنه كما في الحديث عبارة عن الأركان الثلاثة، فمن أخل بمقام الإحسان الذي هو الطريقة، فدينه ناقص بلا شك؛ لتركه ركناً من أركانه، ولهذا نص المحققون على وجوب الدخول في الطريقة، وسلوك طريق التصوف، وجوباً عينياً واستدلوا على الوجوب بما هو ظاهر عقلاً ونقلاً» ([2]).  

فالقسم الثالث (الإحسان) هو الذي يقوم عليه علم التصوف، ولو رجعت إلى تاريخ هذه الأمة الفاضلة، لوجدت أنَّ العلماء رضي الله عنهم قد تخصصوا في كل العلوم، وعلى رأسهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم. فتميز أبو بكر بحلمه وخلقه وكرمه وعبادته وإيمانه، وتميز عمر بعدله، وعثمان بحيائه، وعلي بقضائه وعلمه وشجاعته، وزيد بالفرائض، ومعاذ بالحلال والحرام، وابن عباس بالعلم، وابن مسعود بالقرآن، وأبو عبيدة أمين الأمة، وخالد بن الوليد بجهاده، وكذلك سعد بن أبي وقاص مستجاب الدعوة، وعبد الله بن عمرو بن العاص بعبادته، وأبو الدرداء وأبو ذر الغفاري بالزهد، وأبو هريرة برواية الحديث، رضي الله عنهم أجمعين. ثم توسعت الأمصار واتسعت رقعة الدولة وكثر المسلمون، وكثر العلماء وتخصص التابعون ومن بعدهم بأصناف العلوم. فنشأ علم النحو، وعلم الفقه، وعلم التوحيد، والأصول، والتفسير، والحديث، والمنطق، ومصطلح الحديث، والمواريث، فتخصص البعض بعلوم الفقه وأصوله كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والليث بن سعد والشعبي وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب رضي الله عنهم أجمعين. وتخصص البعض بعلم الحديث كمالك والإمام أحمد ويحيى بن معين والبخاري ومسلم والترمذي وأبو داوود والنسائي وابن ماجة والبيهقي والدارقطني رضي الله عنهم، وتخصص البعض بعلوم الكلام والتوحيد والفلسفة، وتنوعت العلوم وانتشرت في الأمصار الإسلامية.

وكان من أهم العلوم التي انتشرت وتخصص بها الخواص من هذه الأمة هو علم الأخلاق والتزكية، وأحوال النفس والزهد والرقائق، وكان من أبرز المتخصصين به هو الحسن البصري ومعروف الكرخي والجنيد والسري ومالك بن دينار والفضيل بن عياض وذو النون المصري.

فكما كان ابن مسعود معلماً للقران وله مدرسته، وابن عباس مفسراً لكتاب الله وفقيها، وزيد بن ثابت فقيها وعالماً بالمواريث، فقد كان لسيدنا علي ابن أبي طالب مدرسته العظيمة في الزهد والسلوك، وكذلك كان لعبد الله بن رواحة وأبو ذر وأبو الدرداء مدارسهم في الزهد الذي نشروه بين الناس. فأخذه عنهم الحسن البصري، وعروة بن الزبير، وأويس القرني، ثم إبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، والجنيد البغدادي، والشبلي، وسري السقطي، وذو النون المصري، وهؤلاء هم الذين أسسوا علم التصوف.

فالتصوف علم كبقية العلوم له أصوله وله أسسه وقواعده وهو نابع من الكتاب والسنة، فهو كما قلنا القسم الثالث من علوم الشريعة وهذه هي حقيقته، بغض النظر عما دخل فيه من بدع وأكدار ومخالفات؛ فهذا الأمر أصاب جميع العلوم وليس التصوف فحسب، ولكن المهم أن نشأته وأصوله صحيحة وفق الكتاب والسنة، فالصحابة وإن لم يتَّسموا باسم المتصوفة فقد كانوا صوفيين بأفعالهم وأقوالهم وأحوالهم.

يقول الإمام القشيري: «اعلموا رحمكم الله تعالى أن المسلمين ‌بعد ‌رسول ‌الله صلى الله عليه وسلم لم يتسم أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لا فضيلة فوقها ، فقيل لهم: الصحابة ، ولما أدركهم أهل العصر الثاني سمى من صحب الصحابة التابعين ، ورأوا ذلك أشرف سمة ثم قيل لمن بعدهم أتباع التابعين ثم اختلف الناس وتباينت المراتب ، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين: الزهاد والعباد ثم ظهرت البدع وحصل التداعي بين الفرق فكل فريق ادعوا أن فيهم زهداً، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفاسهم مع الله تعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة»([3]).

ويقول ابن خلدون في مقدمته: «وهذا العلم ـ يعني التصوف ـ من العلوم الحادثة في الملة، وأصله أنَّ طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، طريقة الحق والهداية وأصلها العكوف على العبادة،  والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها،  والزهد في ما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق، والخلوة للعبادة، وكان ذلك عاماً في الصحابة والسلف، فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية» ([4])

وفي بداية القرن الثالث أصبح التصوف علماً مستقلاً له مجالسه، ثم بدأ عصر التدوين، فكتب الحارث المحاسبي المتوفى سنة: (243هـ) عدة كتب منها: بدء من أناب إلى الله، وآداب النفوس، ورسالة التوهم، وكتب أبو سعيد الخراز المتوفى سنة: (277هـ) الطريق إلى الله، وكتب أبو عبد الرحمن السلمي  المتوفى سنة: (325هـ) آداب الصوفية، وكتب أبو نصر عبد الله بن علي السراج الطوسي المتوفي سنة: (378هـ) اللمع في التصوف، وكتب الشيخ أبو بكر الكلاباذي المتوفي سنة: (380هـ) كتابه التعرف على مذهب أهل التصوف، وكتب أبو طالب المكي  المتوفى سنة: (386هـ) كتاب قوت القلوب.

وفي القرن الخامس كتب أبو قاسم القشيري المتوفى سنة: (465هـ) رسالته المعروفة بالرسالة القشيرية والتي تعتبر من أهم الكتب والمراجع في التصوف. ثم جاء الإمام حجة الإسلام الإمام الغزالي المتوفى سنة: (505 هـ)، لينتقل بالتصوف إلى مرحلة عظيمة، فدون أعظم الكتب في التصوف من أهمها: إحياء علوم الدين، الأربعين في أصول الدين، منهاج العابدين إلى جنة رب العالمين، بداية الهداية، وغيرها الكثير، ويعد كتابه إحياء علوم الدين من أشهر كتب التصوف ومن أجمعها.

ثم دخل القرن السادس الهجري الذي تحول فيه التصوف إلى مدارس ومناهج منتشرة في البلاد، وبنيت له المدارس وانتشرت الأربطة في كافة البلاد الإسلامية، وبدأ في هذا القرن ظهور الطرق الصوفية التي تنسب لأصحابها الذين وضعوا القواعد الخاصة بها، واستطاعوا تثبيت أركانها بين الناس. وكان هذا التحول في مسار علم التصوف يرجع لظهور الإمام الرباني الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه، الذي أسس مدرسته في بغداد وأسس معها الرباط، فصارت منارة يقصدها العلماء والأولياء من كل مكان، ثم بعد ذلك بدأت تنسب إليه، وينسب إليه كل من يتخرج منها.

وتعتبر الطريقة القادرية من أول الطرق الصوفية ظهوراً، وانتشاراً في البلاد كما سيأتي معنا لاحقاً، كما ظهرت بعد ذلك الطريقة الرفاعية التي تنسب لسيدي القطب الكبير أحمد الرفاعي رضي الله عنه، الذي كان مقره في البصرة. ثم بعد ذلك انتشرت المدارس الصوفية تحت مسمى الطرق الصوفية، وظهرت البدوية والدسوقية والشاذلية والسهروردية وغيرها، وبهذا أصبح التصوف علماً مستقلاً بذاته له قواعده وأسسه واستنباطاته وعلماؤه حتى عصرنا هذا.

وفي الختام نقول: يتبين لنا من خلال ما ذكرناه من نصوص أن علم التصوف ليس بعلم مبتدع ولا مستحدث، كما يدَّعي من أنكره، بل هو علم شريف جليل القدر، بل يكاد يكون أجَلَّ العلوم بعد التوحيد الخالص لله، ومن أراد الحقيقة اهتدى إليها، ومن أراد العناد فإنك لا تهدي من أحببت.

المصدر: الرسالة الحذيفية في تعريف التصوف والصوفية

 
  1. رواه مالك من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
  2. كتاب الانتصار لطرق الصوفية ص5.
  3. الرسالة القشيرية (1/ 34).
  4. مقدمة ابن خلدون ص329.